إخوان الصفاء

342

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فبعث بلطفه أنبياءه ورسله يرغّبونهم فيها ، ويدلّونهم على طريقها كيما يطلبوها ويكونوا لها مستعدّين قبل الورود إليها ، ولكي يسهّل عليهم مفارقة ما ألفوا من الدنيا من شهواتها ولذّاتها ، وتخفّ عليهم شدائد الدنيا ومصائبها ، إذ كانوا يرجون بعدها ما يغمرها ويمحو ما قبلها من نعيم الدنيا وبؤسها ، ويحذّرونهم أيضا التواني في طلبها كي لا يفوتهم ما وعدوا به ، فإنه من فاتته فقد خسر الدنيا والآخرة جميعا ، وضلّ ضلالا بعيدا ، وخسر خسرانا مبينا . فهذا رأينا واعتقادنا يا راهب في معاملتنا مع ربّنا ، وبهذا الاعتقاد طاب عيشنا في الدّنيا وسهل علينا الزّهد فيها وترك شهواتها ، واشتدت رغبتنا في الآخرة ، وزاد حرصنا في طلبها ، وخفّ علينا كدّ العبادة ، فلا نحسّ بها ، بل نرى أن ذلك نعمة وكرامة وعز وشرف ، إذ جعلنا أهلا ان نذكره ، وإذ هدى قلوبنا وشرح صدورنا ونوّر أبصارنا لما عرّفنا من كثرة إنعامه وفنون ألطافه وإحسانه . قال الراهب : جزاك اللّه خيرا من واعظ ما أبلغه ، ومن ذاكر إنعاما ما أحسنه ، ومن هاد رشيد ما أبصره ، وطبيب رفيق ما أحذقه ، وأخ ناصح ما أشفقه ! فصل واعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، بأن الأمور الطبيعية محيطة بنا ومحتوية على نفوسنا كإحاطة الرّحم بالجنين ، وكإحاطة قشرة البيضة بمحّها « 1 » : كل ذلك حرص من الطبيعة على تتميمها وتكميلها وصيانتها من الآفات العارضة ، إلى أجل معلوم ، فإذا جاء وقت الخروج من هناك بعد تتميم البنية وتكميل الصورة ، فالجنين حينئذ هو الذي يحرّك أعضاءه ، ويركض « 2 » برجليه ،

--> ( 1 ) المح : صفرة البيض . ( 2 ) يركض : يحرك رجله ويدفع بها .